محمد بن علي الشوكاني
5301
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الدنيا لا الولد لذاته ، ولا لقرابته ، كذلك محبة الولد لوالده ، فإنك تجد الولد قبل اقتداره مع كون والده هو القائم بجميع ذلك لبقاء قوته ، وعدم عجزه عن الاكتساب غير من محبة والده لا يقادر قدرها ، ولا يمكن تصورها ، ولا يمكن تصور كنهها ، فإذا عرض موته حصل مع الولد من الجزع والفزع ما نشاهده [ 2 أ ] فيمن كانت كذلك ، وهو عند التحقيق إنما يبكي لما فاته من المنافع التي كانت تصل إليه ، وإلى قرابته من والده ، وبرهان هذا أنه لو بلغ الولد إلى حد لا يحتاج معه في الدنيا إلى أحد ، وصار وجود والده كعدمه في إدخال المنافع الدنيوية عليه وعلى من يعول كان أهون مفقود عليه ، بل ربما حصل له بموته السرور ، ولا سيما إذا كان للأب شيء من الحطام ، وهذا على فرض بقاء قوة الأب وصحته وسلامته ، فالأب باق موجود حي سوي ، فلو كانت المحبة للقرابة لكانت هذه الحالة كالتي قبلها ، ولكن المحبة إنما هي للدنيا ، فحيث يتعلق بالأب الغرض الدنيوي كان له من المحبة ما ذكرناه أولا ، وحيث لم يتعلق به ذلك الغرض لم يكن له منها شيء كما ذكرناه ثانيا . وأما إذا بلغ الأب إلى حد الضعف والقعود والعجز الكلي عن مباشرة الأمور ، فربما يتمنى ولده موته ، والأبوة والبنوة بحالهما ، فالحاصل أن بكاء الأب على ولده بكاء على فوت دنياه الآجلة ، وبكاء الولد على والده بكاء لدنياه العاجلة ، ومن أنكر هذا كرر النظر فيه ، وأمعنه ، فإنه يجده صحيحا ، كذلك محبة الزوج لزوجته ليس إلا لما [ 2 ب ] يناله منها من اللذة الدنيوية ، فلو أصيبت بمصيبة أذهبت ما يدعوه إلى محبتها من جمال ، أو كمال ، أو حسن تدبير في أمور المعاش وحرص على مال الزوج لوجدت الزوج يمج بها للموت ، ويعد ذلك من الفرج ، فإن تطاول عليه الأمر كان صبره عليها من أعظم المروءة وإلا فالغالب . . . . . ( 1 ) وقطع علاقة محبتها ، فإن أحبها في تلك الحالة لكونها ذات أولاد فذلك أيضًا لأمر يرجع إلى الدنيا لما عرفت .
--> ( 1 ) بياض في المخطوط .